» مغردون لـ «التعليم»: أين اختفت الـ 130 وظيفة؟!  » «لا حر إلا بعد الانصراف».. الزعاق: أول أيام موسم «التويبع» غدًا  » ضبط شقة سكنية تديرها عمالة وافدة لتحضير الأطعمة بتاروت  » لماذا تتعرض السعوديات للسرقة في اليونان؟  » الملحقية الثقافية في أميركا تحذر المبتعثين من زيارة مدن شمال المكسيك  » عطلة نهاية الأسبوع ثلاثة أيام  » كيف تكون مبدعاً ومشاركاً في الرفاه الاقتصادي والتطور الحضاري  » إطلاق خدمات "كريم باص" في المملكة  » والدة الطفل ضحية كلاب الأحساء تكشف تفاصيل الفيديو المروِّع  » «عين داروش» القديمة.. أشهر ينابيع القطيف  
 

  

سماحة الشيخ حسين المصطفى - 26/05/2019م - 3:00 ص | مرات القراءة: 375


{لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ}.

إنّ المتأمل في الواقع الاجتماعي والتربوي في المجتمع المسلم اليوم، يجده يعاني من تفسخ واضطراب تربوي لا يتفق وتقاليد المجتمع الإسلامي ولا يتناسب مع واقعه التربوي، ونتج عن ذلك حدوث صراع فكري وتفسخ اجتماعي وهدر تربوي إلى جانب معاناته من تخلف عن السير في ركب الحضارة.

فالحضارة الإنسانية أياً كان نوعها قامت وازدهرت على أساس من القيم والمبادئ التي نادى بها قادة وزعماء ومربون، وما انهارت حضارة إلا لأنها أسقطت من حسابها التمسك بالمبادئ والقيم والتخلي عن خطابها التربوي إلى خطاب تعبوي وقد ترتب على ذلك قعودها عن أداء دورها المتمثل في نشر قيم الدين الإسلامي الحنيف والانشغال بنزاعات فكرية جانبية على حساب اهتماماتها التربوية.

فإذا أرادت الأمة الإسلامية اليوم الرجوع إلى أيام عزتها ومنعتها فعليها أن تبدأ في تصحيح كثير من الاهتمامات التي تستعملها في حياتها والتي منها اهتماماتها التربوية. كما رسمها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).

لماذا علينا -كمسلمين- أن نهتدي بمنهج علي (ع) ونمشي عليه؟

الإمام علي (ع) عنوان مضيء في حياة الإنسانية، وعنوان شامخ في حركة التاريخ والمسيرة الإنسانية، عُرف بالعلم والحكمة والإخلاص والوفاء والصدق والحلم وسائر صفات الكمال في الشخصية الإسلامية؛ فكان قدوةَ المسلمين ورائدَ الإصلاح والتغيير في المسيرة الإسلامية، وكان له مقامه الكريم ودوره السامي عند الفقهاء والمفسرين والرواة والمؤرخين والأدباء والشعراء، وعند العابدين والزاهدين والأولياء.

وعلي (ع) هو عدل القرآن وهو القرآن الناطق المتحرك وقد تظافرت وتواترت الروايات على إثبات هذا المقام، ففي رواية عن رسول الله (ص) أنّه قال: "يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا: كِتابَ اللهِ، وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي" [سنن الترمذي: ج 5 622، ومسند أحمد بن حنبل: ج 6 ص 232، ومجمع الزوائد للهيثمي: ج 9  ص 163].

ومثّل رسول الله (ص) علياً وأهل بيته بسفينة نوح فقال: "أَلَا إِنَّ مَثَلَ أَهْلِ بَيْتِي فِيكُمْ مِثْلَ سَفِينَةِ نُوحٍ؛ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ" [المستدرك على الصحيحين: ج 3 ص 151، ومجمع الزوائد: ج 9 ص 168، والجامع الصغير للسيوطي: ج 2 ص 533].

ومن خطبة لأمير المؤمنين (ع) يصف فيها آل محمد: "هُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَمَوْتُ الْجَهْلِ؛ يُخْبِرُكُمْ حِلْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ، وَصَمْتُهُمْ عَنْ حِكَمِ مَنْطِقِهِمْ؛ لا يُخَالِفُونَ الْحَقَّ، وَلا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَهُمْ دَعَائِمُ الإِسْلامِ، وَوَلائِجُ الاعْتِصَامِ، بِهِمْ عَادَ الْحَقُّ إِلَى نِصَابِهِ، ... عَقَلُوا الدِّينَ عَقْلَ وِعَايَةٍ وَرِعَايَةٍ لا عَقْلَ سَمَاعٍ وَرِوَايَةٍ، فَإِنَّ رُوَاةَ الْعِلْمِ كَثِيرٌ، وَرُعَاتَهُ قَلِيلٌ" [نهج البلاغة: الخطبة 238]. فبهم يعيش العلم، وتنهزم أباطيل التخلّف والجهل؛ لأنّ علمهم لا ينطبق إلا من خلال قواعد العلم التي تثبت على أساس الحجة والدليل، ولأنّ صمتهم فكر وانفتاح على كلّ آفاق الحقيقة، ولأنّ باطنهم هو الحقّ كلّه والخير كلّه، لأنّ الحقيقة واحدة لا لُبس فيها ولا اختلاف.

وقال (ع): "نَحْنُ النُّمْرُقَةُ الْوُسْطَى؛ بِهَا يَلْحَقُ التَّالِي، وَإِلَيْهَا يَرْجِعُ الْغَالِي".

وهذه النصوص توقفنا على المنهج الرباني لعلي وأهل بيته (ع)، فما يصدر منهم صادر عن رسول الله (ص) عن الله تعالى، وأنّ منهجهم هو منهج الله تعالى.

يقول أمير المؤمنين (ع): "إِنَّ رَسُولَ اللهِ (ص) أَدَّبَهُ اللهُ وَهُوَ أَدَّبَنِي، وَأَنَا أُؤَدِّبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَأُوَرِّثُ الْآدَابَ الْمُكْرَمِينَ" [تحف العقول: ص 114].

والإمام علي (ع) يحدثنا عن ذلك فيقول: "وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، .. وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ إتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً، وَيَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ، فَأَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي" [نهج البلاغة: الخطبة 192].

ففي رحاب علي (ع) تكون آفاقنا أرحب، وحركتنا أوعى، وحياتنا أثرى، وعلاقتنا بالله أوثق؛ لأنه مع الصواب دائماً ومع الحق دائماً.

ولقد اختص منهج أمير المؤمنين (ع) بخصائص متميزة، ولكننا نريد أن نتحدث عن حجر الأساس الذي جعله أمير المؤمنين (ع) قاعدة لمنهجه التربوي في بناء الشخصية، هو أساس قرآني قائم على (مبدأ التوازن بين الحاجات والمصالح).

التوازن بين الحاجات والمصالح:

ما هي قيمة الإسلام ؟

قيمته أنه جاء في تشريعاته ومفاهيمه من أجل أن يعمق إنسانية الإنسان، وأن يحقق له التوازن بين حاجاته ومصالحه؛ فلا تطغى حاجاته ولا تسقط مصالحه.

فالإسلام يفتح للإنسان أبواب الحياة، فليس هناك أفق مغلق على الإنسان بحيث لا يمكن أن يقتحمه..

ففي العلم: ليس هناك علم محرم.

وفي التجربة: لا توجد منطقة محرمة، بل أمرنا أن ننطلق لنكتشف الحقيقة من خلال التجربة؛ لأنّ بعض الحقائق لا نستطيع أن نكتشفها بالتأمل.

وفي السلوك: أرادنا الله أن نعيش مع الإنسان الآخر بسلام، فالحرب إنما تنطلق ضد الذين يفرضون الحرب على الإنسان ويريدون أن يصنعوا له المأساة.
وفي التربية: أراد الله لنا أن نتحرك -في خط السلوك- لتكون لنا خصائصنا الفردية التي تحمي شخصيتنا، كما تحفظ لنا خصائصنا الاجتماعية.

ولا بد للإنسان إذا أراد أن يعيش الإسلام، أن يجمع في شخصيته العناصر التي ترتكز عليها: العقيدة، والتي ترتكز عليها المفاهيم (التصور)، والتي ترتكز عليها السلوك (الحركة).

وهذا التوازن هو الذي أخبر عنه الإمام علي (ع) بقوله: "الْعَقْلُ وَالشَّهْوَةُ ضِدَّانِ، وَمُؤَيِّدُ الْعَقْلِ الْعِلْمُ، وَمُزَيِّنُ الشَّهْوَةِ الْهَوَى، وَالنَّفْسُ مُتَنَازَعَةٌ بَيْنَهُمَا. فَأَيُّهُمَا قَهَرَ كَانَتْ فِي جَانِبِهِ".

فالنفس تتكون عندها القوة على أحد الاتجاهين، وبذلك تتكون وتقوى خلال تلك الحالة القوة العقلية؛ وذلك بالتعلم والمعرفة أكثر، فإنّ هذه القوى تكون أقدر على لجم القوة الشهوية؛ إذ يعد الهوى المؤثر في تزيين الشهوة..

والتعبير لـ"مؤيد للعقل ومزين للشهوة" لا يخلو من فائدة كبيرة؛ إذ أنّ العقل يتعرف الأمور بشكل تلقائي، بينما الشهوة تحتاج إلى من يزين لها ذلك العمل، فتتوق وتشتهي عمله.. وأروع مثال يضربه لنا سبحانه وتعالى في كتابه المحكم قصة نبيه الصديق يوسف (ع) حيث يقول: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [يوسف: 23]،

إنه يرشد إلى أساس من أسس بقاء الإنسان وهو: الصراع بين العقل والشهوة، ففي الوقت الذي تنبهنا الآية الكريمة على دلالة خطر الاختلاط بين الجنسين، تحفز الشباب أيضاً على تقوية وسائل المقاومة لأحوال الإغواء التي قد يتعرضون لها في مختلف حياتهم. ولذا نلاحظ أنّ نتيجة غلبة العقل هو {مَعَاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ}.

فالعقل هو رائد معركة الإنسان ضد نفسه، والعلم والمعرفة سلاح رئيسي في هذه المعركة، ولكل من طرفي المعركة -وهما العقل والهوى- جنود وأسلحة فهما جيشان: جيش الرحمن وجيش الشيطان يتصارعان على أرض نفس الإنسان.

إنّ هذه الكلمة العلوية تصور حالة الصراع النفسي بين العقل والشهوة في الأمور التي يدرك العقل فسادها أو صلاحها، والميزان في هذا هو في التمييز بين المصلحة التي يأخذ بها والمفسدة التي يدعها، مقارنة بالشهوة التي تثيرها غريزة الإنسان في جسده وأحاسيسه..

وهنا يبدأ الصراع القوي في حركة الإرادة التي قد تقوى فتأخذ جانب (العقل)، وقد تضعف فتأخذ جانب (الشهوة).

بمعنى أنّ هناك طرفين يتجاذبان الكائن الآدمي في بحثه عن اللذة واجتنابه عن الألم، هما: (العقل والشهوة) (الخير والشر) (الموضوعية والذاتية)، أو (الأوامر والنواهي الشرعية).

هذا التركيب الثنائي الذي يرثه الفرد فطرياً: جانب (وجداني)، ويقابله جانب (إدراكي) هو الوعي بمبادئ كل من (العقل) و(الشهوة)، بمعنى أنّ الشخص حينما رُكّب فيه (الاستعداد) على ممارسة الخير أو الشرّ: قد رُكّب فيه أيضاً (إدراك) كلٍ من الخير والشر، حتى تصبح ممارسته للسلوك خاضعة لعملية (اختيار) وليس لعملية (إجبار) مما يترتب على ذلك تحمل مسؤولية السلوك الذي يمارسه.

وقد أشار النص القرآني الكريم إلى هذا الجانب (الإدراكي) بوضوح عبر قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا @ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا}. ومعنى (إلهامها الفجور والتقوى) هو الإدراك لمبادئ الشهوة (الفجور) والعقل (التقوى).

وكذلك قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ @ أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ @ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ @ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}.
{أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ} وسيلة البصر التي يستطيع أن يتعرف فيها المرئيات، فيزداد بذلك علماً وخبرةً، فتتحول إلى فكر يبدع فكراً من خلال حركة العقل في تنظيم هذه المعلومات.

{وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ} يستعين بها على النطق، لإدارة حركة التفاهم الذي يسهّل للناس سبل العيش، ويحوّل الوجودات الفردية إلى وجود اجتماعيٍّ متكامل يتبادل الخبرات والأفكار والحاجات من خلال عملية النطق.
{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ} طريقا الخير والشرّ، بمعنى أننا منحناه الهداية العقلية التي يتمكن من خلالها من معرفة الخير والشرّ، واختيار أيّ واحدٍ منهما لحياته، فيتحمل مسؤوليته في الالتزام، وفي الدعوة، وفي حركة الصراع.

وقوله: {أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ} يمثل بداهة الفكرة لمن يعرف أنّ الله هو الذي يطّلع على شؤون عباده، سواء كان ذلك في الموقع السرّي أو العلني.

والظاهر أن هذه الآيات واردةٌ في مواجهة حالة الغرور التي يعيشها هذا الإنسان، في طريقته في الكلام، وفي الحركة، وفي الموقف، وفي تمرده على خالقه، وثقته الكبيرة بنفسه، بعيداً عن ارتباطه بالله، ليعرِّفه بأنه -سبحانه- هو الذي خلق له العينين اللتين يبصر بهما، ولولاهما لم يعرف شيئاً، وأنه هو الذي خلق له اللسان والشفتين التي ينطق بها، ولولاها لم يستطع النطق، وأنه هو الذي أعطاه العقل الذي يميز به بين الخير والشرّ، ولولاه لم يدرك شيئاً، فكيف يدّعي لنفسه هذا الموقع، ويغفل مقام ربه ومضمون عبوديته له أمام ربوبيته المطلقة؟ كيف يفسر ذلك؟!

ولنا أن نتساءل: كيف يتم تغليب جانب في النفس على جانب، وكيف يصبح فرد مؤمناً وآخر جاحداً؟

ينبغي أولاً أن نؤكد على الحرية التامة التي يتمتع بها البشر في اختيار الإيمان أو الجحود. وأنّ ما نذكره من دوافع الإيمان والجحود لا تسلب النفس إرادتها بل لا تعدو أن تكون أداة ضاغطة عليها فقط.

إنّ مسألة الإيمان ليست من المسائل التي يمكن أن تخضع للضغط. أنا قد أستطيع أن أضغط عليك، أن أحبسك في زنزانة، ولكني لا أستطيع أن أحرك أي مفصل من مفاصل عقلك لأضغط عليه بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر.

فمسألة الإيمان تتصل بالإنسان نفسه، ولا يمكن لإنسان أن يكره إنساناً على إيمان أو كفر، ولهذا لاحظنا التعبير القرآني {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ} [البقرة:256]. إنّ المسألة هي أنّ طريق الرشد واضح وطريق الغي واضح، وعلى الإنسان أن يواجه هذين الطريقين ليختار مصيره من خلال اختياره للخط الذي يتحرك فيه، {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] و{وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ}.

رب قائل يقول: قد نرى أنّ هناك ضغطاً على الناس لكي يسلموا، ففي صدر الدعوة الإسلامية، جرى الضغط على الذين أسلموا أن لا يكفروا، أليس ذلك إكراهاً في الدين؟!

نقول: هذا ليس إكراهاً في الدين، هذا إكراه في فرض النظام؛ لأنّ أية قوة تريد إرساء قواعدها وفرض نظامها، فإنّ من الطبيعي أن تخضع كل الناس الذين يعيشون في دائرة هذا النظام لكل مفردات النظام.. فماذا تفعل الحكومات أمام المواطنين الذين يتمردون على النظام؟ إنها تواجههم بالعنف إذا لم ينفع الرفق، لتطبّق عليهم ما يصلح أمرهم وما يصلح الناس.

ولذلك فرّق الإسلام بين الإسلام والإيمان، فاعتبر أنّ الإسلام هو الخضوع للنظام، بينما الإيمان هو القناعة الفكرية والروحية {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } [الحجرات: 14]. فلم يفرض عليهم الإيمان، ولكنه هيّأ الأجواء لينطلقوا ليكونوا المسلمين المنسجمين مع الخط العام والمنسجمين مع النظام العام.

نعم، الإيمان لا يكمل إلا بالتسليم المطلق للحق، ولا يتم التسليم التام إلا بواحدة من ثلاث: (إرادة صلبة)، أو (عقل كامل)، أو (شهوة ضعيفة).

ولو تدبرنا قليلاً في النصوص الشرعية لعرفنا أنّ الدين قد استخدم الطرق الثلاثة في بعث النفوس إلى الإيمان:
-وجّه الإنسان إلى نفسه وعرَّفه بكرامته عسى أن يقوّي ذلك إرادته.
- ذكره بآيات الله في الكون لكي يزيد عقله.
- وجّه أنظاره إلى جنات عدن تجري من تحتها الأنهار...

كل هذه الأمور تشكّل حقيقة الإيمان. يقول أمير المؤمنين (ع): "الْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ؛ عَلَى الصَّبْرِ وَالْيَقِينِ وَالْعَدْلِ وَالْجِهَادِ. وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الشَّوْقِ وَالشَّفَقِ وَالزُّهْدِ وَالتَّرَقُّبِ. فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ، وَمَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ.

وَالْيَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ وَتَأَوُّلِ الْحِكْمَةِ وَمَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ وَسُنَّةِ الْأَوَّلِينَ؛ فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ، وَمَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ عَرَفَ الْعِبْرَةَ، وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الْأَوَّلِينَ.

وَالْعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى غَائِصِ الْفَهْمِ وَغَوْرِ الْعِلْمِ وَزُهْرَةِ الْحُكْمِ وَرَسَاخَةِ الْحِلْمِ فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ وَمَنْ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الْحُكْمِ وَمَنْ حَلُمَ لَمْ يُفَرِّطْ فِي أَمْرِهِ وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً.

وَالْجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِنِ وَشَنَآنِ الْفَاسِقِينَ فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ الْكَافِرِينَ وَمَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ وَمَنْ شَنِئَ الْفَاسِقِينَ وَغَضِبَ لِلهِ غَضِبَ اللهُ لَهُ وَأَرْضَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".

وهنا أحب أن أنبّه على أمر خطير إذا آمنا به اضطرب ميزان التوازن في حركة التربية العلوية؛ حيث نقرأ في (نهج البلاغة) للإمام علي (ع) كلمةً يقول فيها: "إنّ المرأة شرّ كلها وشرّ ما فيها أنّه لا بدّ منها"!!

ونشكّ، بل نعتقد، أنها ليست للإمام علي (ع)؛ والسبب في ذلك هو أنّ النبي (ص) والإمام علي (ع) والأئمة (ع) قالوا جميعاً: "ما خالف كتاب الله فهو زخرف". فكيف تكون المرأة شرّاً كلها؟

ثم إنّ الله تعالى يقول: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَينِ}. فالإنسان لم يخلق شريراً في أصل خلقته، بل خلق على {فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30]. وفي الحديث الشريف: "كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهوّدانه وينصرانه ويمجّسانه". فكيف تكون المرأة شرّاً كلها؟!

أمّا إذا كان الشرّ باعتبار الإغراء، فالرجال هم الذين يغرون النساء، وأغلب النساء يخدعهن الرجال، وقد عبّر أحمد شوقي عن ذلك بقوله:
خدعـوها بقولهـم حسناء   والغـواني يغـرّهنّ الثنـاء

وعلى فرض أنه شر، إلا أنه عنصر من عناصر شخصية المرأة وليس جميع عناصر شخصيتها، فهل فكرها شر؟ وهل عاطفتها شر؟ وهل أعمالها شر؟ وهي تمارس عباداتها، فهل عباداتها شر؟! ثم إذا كانت المرأة شراً كلها فكيف يعاقبها الله تبارك وتعالى إذا كان خلقها من الشرّ؟ ألا تحتجّ المرأة بالقول: أنت خلقتني من الشر كله فلم تعاقبني على فعل الشر وهو مودع في أصل خلقتي التي لا دخل لي فيها؟!

ثم ما معنى "وشرّ ما فيها أنه لا بدّ منها". وهل ذلك من جهة النسل؟ فالرجل كذلك طرف في عملية التناسل، فكيف يكون الإنسان الذي يمثل ضرورة شراً كله؟!

إنها في المحصلة كلمة غير مفهومة، وإذا كان هناك من يقول إنّ هذه الكلمة واردة عن امرأة بعينها، فهذا لا يصح أيضاً؛ لأنّ الكلمة واردة على نحو الإطلاق، أي تشمل النساء جميعاً.

وفي كتاب (كتاب بهجة المجالس وأنس المجالس، لابن عبد البر) أنّ هذه الكلمة هي في الحقيقة للمأمون العباسي، ولذا فإننا نربأ بعلي (ع) أن يتكلّم بهذه الطريقة، وهو الذي أكرم المرأة أيّما إكرام وأحسن إليها أيما إحسان، وهو العارف أيضاً أنّ في النساء من تفوق الرجال أدباً وعلماً وعملاً، وأن في الرجال من هم في غاية الشر.

بعد هذا نضيف ..

إنّ التربية في طبيعتها عملية مستقبلية تسعى إلى بناء الإنسان لحياة قادمة قد تختلف فيها وسائل تحقيق الأهداف نفسها عما هو متعارف عليه في الماضي والحاضر؛ لأنّ التغير سمة ملازمة للإنسان ولحياته على مر العصور المختلفة قال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} فالطبيعة الإنسانية لديها القابلية والمرونة للتشكيل، قال الإمام علي (ع): "لَا تُعَوِّدُوا بنيكم عَلَى أَخْلَاقِكُمْ؛ فَإِنَّهُمْ مخلوقون لزمانٍ غَيْرِ زَمَانِكُمْ".

ويرى الإمام علي (ع) أنّ التربية من الحقوق الإنسانية التي يجب على الحاكم أدائها للناس كافة قال الإمام علي (ع): "أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ، فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ كَيْلَا تَجْهَلُوا".

وقد أدّى الإمام علي (ع) هذا الحق على خير وجه فحلقته العلمية بمسجد الكوفة دليل واضح على ذلك، كما أنه مارس تعليم أصحابه وهو في ساحة القتال، عن الأصبع بن بناتة، أنّ رجلاً سأل علياً وهو في مسيره للقاء معاوية، عن وضوء رسول الله (ص) فدعا بمخضبٍ قد ناصفه الماء، قال علي: مَن السائل عن وضوء رسول الله (ص)؟ فقام الرجل، فتوضأ على اثنتين ومسح على اثنتين، وقال: هكذا رأيت رسول الله (ص) يتوضأ".

وكان الإمام علي (ع) يطلب من ولاته على الأقاليم أداء هذا الحق للرعية، فمن كتاب لقثم بن العباس وهو عامله على مكة: "أَمَّا بَعْدُ فَأَقِمْ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللهِ، وَاجْلِسْ لَهُمُ الْعَصْرَيْنِ فَأَفْتِ الْمُسْتَفْتِيَ وَعَلِّمِ الْجَاهِلَ" [نهج البلاغة: كتاب 67].

فالاهتمامات التربوية عند الإمام علي (ع) كانت حقاً مكفولاً لكل أفراد المجتمع صغيرهم وكبيرهم حتى لمن هم في ساحة القتال مثل وجسد هذا الأمر تطبيقاً وتوجيهاً عبر رسائله للولاة مثل كتابه إلى زياد بن النضر الذي قال فيه (ع): "فاني قَدْ وَلَّيْتُكَ هَذَا الْجُنْدَ، فَلَا تستطيلن عَلَيْهِمْ وَإنَّ خَيْرَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ، وَتَعْلَمُ مَنْ عَالِمُهُمْ وَعِلْمَ جَاهِلِهِمْ".

كما أنَّ الاهتمامات التربوية عند الإمام علي (ع) تجسدت فيما نادت به التربية الحديثة في الآونة الأخيرة، وقد أصبح هذا الحق منصوص عليه في مواثيق المنظمات الدولية.

فالإنسان هو الغاية الأخيرة لهذه الموجودات، ومن أجل ذاته خلق الله ما خلق من طبيعة وكون ووجود. وعبر الإمام (ع) عن غاية التربية هذه بقطعة جاءت أروع وأبلغ ما عرفه البيان:
وقد عبّر الإمام عليّ (ع) عن أنّ العمل التربوي وطلب العلم إنما هو وسيلة لخير الإنسان نفسه، ومن أجل صالح البشرية، مما ينحّى جانباً القول بأنّ طلب العلم إنما يكون للعلم نفسه. فيقول (ع): "فَاللهُ سُبْحَانَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْإِنْسَانَ خَلَقَ الْكَوْنَ ورتَّبَهُ أَحْسَنَ تَرْتِيبٍ وَنَظَّمَهُ أَجْمَلَ تَنْظِيمٍ، وَمَهَّدَ الْأَرْضَ، وَأَتَمَّ مَرَافِقَهَا عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ، فَخَلَقَ فِيهَا الْهَوَاءَ الطَّلْقَ، وَأَجْرَى فِيهَا الْعُيُونَ وَالْأَنْهَارَ وَأَعَدَّ أَنْوَاعَ الْأَطْعِمَةِ وَالْأَشْرِبَةِ،

وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ، وَأَنْبَتَ فِيهَا النَّبَاتَ وَالزَّهْرَ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ. وَبَعْدَ أَنْ أَتَمَّهَا، وَجَمَعَ فِيها مَا تَشْتَهِي الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ أَخْرَجَ إِلَيْهَا الْإِنْسَانَ وَأَسْكَنَهُ فِيهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ خَلِيفَتَهُ فِي أَرْضِهِ يَحْيَا فِي كَنَفِهَا وَيَعِيش فِي خَيْرَاتِهَا، وَيَمْضِي فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ ونواياه ومقاصده وفقَ أَحْكَامِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَإِرَادَتِهِ..".

واستناداً إلى هذه الثقة بخير الوجود وعدله، وإلى عظمة الحياة والإحياء، يخاطب علي بن أبي طالب (ع) الأجيال بما يوقظهم على أنّ الحياة حرة لا تطيق من القيود إلا ما كان سبباً في مجراها وواسطة لبقائها وقبساً من ضيائها وناموساً من نواميسها.

وعندما نفتش فيما بين أيدينا من النصوص فإنها قد لا تسعفنا بطريق مباشر في أنّ نجد شرحاً بالصورة التي نأمل فيها ونتوقعها لتعريف التربية، لكننا نستطيع بعمليات استدلال واستنباط أن نجد عدداً غير هيّن من النصوص التي تتضمن بعض الدلالات والمعاني التي من شأنها -في المجموع العام- أن تشير إلى مفهوم يقرب العملية التربوية.

فخلو الإنسان من المعارف حال ولادته يفيد معنى الاكتساب بمرور الخيرات والأحداث عبر حياة الإنسان وان هذا الاكتساب لا يجيء سهلاً هينا وإنما يقتضي عمليات مجاهدة وبحث حيث أن الحقيقية لا تستبان لأول وهلة.

وقد أبان الإمام عليّ (ع) ركيزتين أساسيتين لا قيام للتربية بدونهما ألا وهما (مرونة الفطرة الإنسانية) و(الميل الفطري لدى الإنسان إلى التقليد) يقول (ع): "أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُنِي قَدْ بَلَغْتُ سِنّاً، وَرَأَيْتُنِي أَزْدَادُ وَهْناً، بَادَرْتُ بِوَصِيَّتِي إِلَيْكَ، وَأَوْرَدْتُ خِصَالًا مِنْهَا قَبْلَ أَنْ يَعْجَلَ بِي أَجَلِي دُونَ أَنْ أُفْضِيَ إِلَيْكَ بِمَا فِي نَفْسِي، أَوْ أَنْ أُنْقَصَ فِي رَأْيِي، كَمَا نُقِصْتُ فِي جِسْمِي، أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى

وَفِتَنِ الدُّنْيَا، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ، وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ؛ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ، فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ؛ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَتَجْرِبَتَهُ، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ الطَّلَبِ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ".

فقد أكد الإمام علي (ع) أهمية الركيزتين بتعبيره البليغ عن التقليد قوله: "فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ الطَّلَبِ" ويعني بذلك أنه سيسأله أو سيسأل غيره حتماً في هذه الأمور فلذلك بادره هو قبل أن يبادر إليه غيره وتعبيره عن مرونة الطفل اليافع قوله: "أَوْ يَسْبِقَنِي إِلَيْكَ بَعْضُ غَلَبَاتِ الْهَوَى وَفِتَنِ الدُّنْيَا، فَتَكُونَ كَالصَّعْبِ النَّفُورِ، وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ؛ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ" مشيراً بذلك إلى فترة النضوج ومرحلة التكامل الإنساني.

والتربية لا بدّ لها من أساس عقدي ونبع تغترف منه ما يعين المربين على سلوك الطريق المستقيم ومصدر تهتدي بما فيه لتحدد أهدافها وتعين وسائل الوصول إلى هذه الأهداف ومختلف البدائل التي تخطط لها في سبيل ذلك وغنى عن البيان ان هذا الأساس العقيدي وذلك النبع الفياض والمصدر الملهم قائم في: كتاب الله وسنة الرسول (ص).

وإذا كان القرآن الكريم والسنّة النبوية الشريفة يشكلان نبع التربية فإنّ خبرة الحياة وحركة الدنيا مصدر هام لا بدّ من حسن التعامل معه لتكتمل العملية التربية فوفقاً لسلوك المتعلم فيها وما يمر به من أحداث تكون حياته أن خيراً فخيراً وان شراً فشراً "إِنَّ الدُّنْيَا دَارُ صِدْقٍ لِمَنْ صَدَقَهَا، وَدَارُ عَافِيَةٍ لِمَنْ فَهِمَ عَنْهَا، وَدَارُ غِنًى لِمَنْ تَزَوَّدَ مِنْهَا، وَدَارُ مَوْعِظَةٍ لِمَنِ اتَّعَظَ بِهَا، مَسْجِدُ أَحِبَّاءِ اللهِ، وَمُصَلَّى مَلَائِكَةِ اللهِ، وَمَهْبِطُ وَحْيِ اللهِ،

وَمَتْجَرُ أَوْلِيَاءِ اللهِ، اكْتَسَبُوا فِيهَا الرَّحْمَةَ، وَرَبِحُوا فِيهَا الْجَنَّةَ، فَمَنْ ذَا يَذُمُّهَا وَقَدْ آذَنَتْ بِبَيْنِهَا وَنَادَتْ بِفِرَاقِهَا وَنَعَتْ نَفْسَهَا وَأَهْلَهَا، فَمَثَّلَتْ لَهُمْ بِبَلَائِهَا الْبَلَاءَ، وَشَوَّقَتْهُمْ بِسُرُورِهَا إِلَى السُّرُورِ، رَاحَتْ بِعَافِيَةٍ، وَابْتَكَرَتْ بِفَجِيعَةٍ، تَرْغِيباً وَتَرْهِيباً وَتَخْوِيفاً وَتَحْذِيراً، فَذَمَّهَا رِجَالٌ غَدَاةَ النَّدَامَةِ، وَحَمِدَهَا آخَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ذَكَّرَتْهُمُ الدُّنْيَا فَتَذَكَّرُوا، وَحَدَّثَتْهُمْ فَصَدَّقُوا، وَوَعَظَتْهُمْ فَاتَّعَظُوا" [الحكمة: 131].

وقد حرص الإمام علي (ع) على أن يوثق الصلة بين التربية النظرية والتربية التطبيقية ببيان أهمية العمل بما نعلم ويظهر هذا فيما ورد نقلاً عنه حيث قال: "الدُّنْيَا كُلُّهَا جَهْلٌ إِلَّا مَوَاضِعَ الْعِلْمِ، وَالْعِلْمُ كُلُّهُ حُجَّةٌ إِلَّا مَا عُمِلَ بِهِ، وَالْعَمَلُ كُلُّهُ رِيَاءٌ إِلَّا مَا كَانَ مُخْلِصاً، وَالْإِخْلَاصُ عَلَى خَطَرٍ حَتَّى يَنْظُرَ الْعَبْدُ بِمَا يَخْتِمُ بِهِ". وتجيء كلماته أكثر صراحة في قوله: "الْعِلْمُ مَقْرُونٌ بِالْعَمَلِ فَمَنْ عَلِمَ عَمِلَ، وَالْعِلْمُ يَهْتِفُ بِالْعَمَلِ فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا ارْتَحَلَ عَنْهُ".

وقوله (ع) لجابر بن عبد الله الأنصاري: "يَا جَابِرُ، قِوَامُ الدُّنْيَا بِأَرْبَعَةٍ: عَالِمٌ مُسْتَعْمِلٌ عِلْمَهُ، وَجَاهِلٌ لَا يَسْتَنْكِفُ أَنْ يَتَعَلَّمَ، فَإِنْ ضَيَّعَ الْعَالِمُ عِلْمَهُ اسْتَنْكَفَ الْجَاهِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ".
وهذا ما بيّنه الإمام علي (ع) من (حق الرعية في التعليم)؛ فوضح أنّ مهمة الحاكم في الدولة إنما هي مهمة تربوية في المقام الأول، ولم تكن مجرد اهتمام بالتعليم، بل لتتسع لمدلول التربية الواسع فهماً وتطبيقاً وتأتي تلك الاهتمامات كما يلي:

أولاً: الاهتمام بطبيعة المتعلم:

تتأثر العملية التربوية بطبيعة المتعلم وما ينتج عنها من سلوك، كان للنظريات التربوية المختلفة مواقف متباينة، اتجاه هذه الطبيعة، من خلال تميز ثلاث اتجاهات رئيسية في هذا الشأن:

الأول: يرى أنّ عنصر الشر متأصل في الإنسان ومتغلب على كل العناصر الأخرى، في شخصيته، وهذا الاتجاه، يؤيده العالم لورنز، الذي يرى أنّ عنصر الشر متأصل في الإنسان، ولا يقل عن الرغبة في الاعتداء عند الوحوش، وعلى من يقوم بعملية التربية وفق هذا الاتجاه، استئصال هذا الشر والقضاء عليه بوسائل العقاب المختلفة.

الثاني: يرى أنّ عنصر الخير هو المسيطر على طبيعة الإنسان الذي هو خير بطبيعته، ويؤيد هذا الاتجاه المربي الفرنسي جان جاك روسو، الذي يرى ترك الطفل للطبيعة لتربيته؛ لأنّ الطبيعة خيّرة في نظره، ويفسدها تدخل الإنسان فيها.

الثالث: يرى أنّ طبيعة المتعلم محايدة والبيئة هي المسئولة عن سلوك الإنسان واختياره للخير أو الشر، وتبنى هذا الاتجاه عالم النفس سكنر، الذي يقرر أنّ البيئة هي التي تتحكم في سلوك الإنسان حتى في الحالات التي يحاول أن يفرض الإنسان عليها سيطرته.

وهذا الاتجاه هو المسئول حسب اعتقاد "سكنر" عن اعتناق أبناء المسلمين الإسلام وأبناء المسيحية.

ويرى الإمام علي بن أبي طالب (ع) أنّ طبيعة المتعلم خيّرة والشر عارض عليها، قال تعالى: {فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30]. قال الإمام علي (ع): "إلهي خَلَقْتَ لِي جِسْماً، وَجَعَلْتَ فِيهِ آلَاتٍ أُطِيعُكَ بِهَا وأعصيك وَأَغْضَبَكَ بِهَا وأرضيك". فلا الوسط البيئي والاجتماعي والعوامل الوراثية لوحدها كذلك تستطيع أن توجه سلوك المتعلم، وهو في هذا يخالف "سكنر" فتأثير البيئة ليس كافياً بمفرده لفعل الخير أو الشر، ويتضح هذا جلياً في موقف امرأتي نوح ولوط، وامرأة فرعون فالأوليان كفرتا، وزوجاهما كانا رسولين مؤمنين، والثالثة أسلمت، على الرغم من أنّ زوجها كان كافراً.

قال تعالى: {ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلاَ النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ، وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ أَمِنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.

فطبيعة المتعلم عند الإمام علي (ع) هي نتاج عوامل الوراثة والبيئة والوسط الاجتماعي وهذا ما أكدته الدراسة الحديثة في علم النفس وأصبح البحث يجري الآن في بيان مقدار أثر كل منهما في طبيعة الإنسان؛ قال الإمام علي (ع) في وصيته لابنه الحسن: "فَإِنَّكَ أَوَّلُ مَا خُلِقْتَ بِهِ جَاهِلًا، ثُمَّ عُلِّمْتَ، وَمَا أَكْثَرَ مَا تَجْهَلُ مِنَ الْأَمْرِ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ رَأْيُكَ، وَيَضِلُّ فِيهِ بَصَرُكَ، ثُمَّ تُبْصِرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ" [نهج البلاغة: كتاب 31]. بهذا يتبين أنّ الإمام (ع)، يقر بمرونة الطبيعة الإنسانية وقابليتها للتشكيل قال تعالى: {وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ}.

ولا بد من تعاضد أثر كل من البيئة والوراثة والوسط الاجتماعي لكي يظهر السلوك المعين. وقد أكد الإمام (ع) على أهمية استخدام الإنسان لاستعداداته الفطرية بعد الفهم، قال (ع) في وصيته لابنه الحسن: "فَإِنْ أَبَتْ نَفْسُكَ أَنْ تَقْبَلَ ذَلِكَ دُونَ أَنْ تَعْلَمَ كَمَا عَلِمُوا، فَلْيَكُنْ طَلَبُكَ ذَلِكَ بِتَفَهُّمٍ وَتَعَلُّمٍ لَا بِتَوَرُّطِ الشُّبُهَاتِ وَعُلَقِ الْخُصُومَاتِ" [نهج البلاغة: كتاب 31].

وقال الإمام علي (ع) مؤكداً نفس هذا المعنى: "فَإِنْ أَيْقَنْتَ أَنْ قَدْ صَفَا قَلْبُكَ فَخَشَعَ، وَتَمَّ رَأْيُكَ فَاجْتَمَعَ، وَكَانَ هَمُّكَ فِي ذَلِكَ هَمّاً وَاحِداً، فَانْظُرْ فِيمَا فَسَّرْتُ لَكَ، وَإِنْ لَمْ يَجْتَمِعْ لَكَ مَا تُحِبُّ مِنْ نَفْسِكَ وَفَرَاغِ نَظَرِكَ وَفِكْرِكَ، فَاعْلَمْ أَنَّكَ إِنَّمَا تَخْبِطُ الْعَشْوَاءَ وَتَتَوَرَّطُ الظَّلْمَاءَ" [نهج البلاغة: كتاب 31].

وقد أخذت التربية الحديثة بمبدأ التعليم الذاتي الذي يقوم على استخدام الإنسان لقدراته وإمكانياته واستعداداته الذاتية وطبيعته.

ويذهب الإمام علي (ع) إلى ضرورة إعطاء المتعلم الثقة بنفسه؛ حتى يتمكن من استغلال طاقاته الذاتية إلى ما فيه فائدته، وأن يعامل غيره بحسب ما يتوقعه من الآخرين من معاملة.

قال الإمام علي (ع) في وصيته لابنه الحسن: "يَا بُنَيَّ اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ؛ فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلَا تَظْلِمْ كَمَا لَا تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُهُ مِنْ غَيْرِكَ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ" [نهج البلاغة: كتاب 31].

ثانياً: اهتمامه بتربية النشء:

لم يحدد علماء التربية المسلمين السن التي تبدأ عندها عملية تربية النشء إلا أنّ المأثور عنهم قولهم بضرورة تربية النشء وتعليمه في سن مبكرة، مستندين في ذلك إلى قول المعلم الأول الرسول (ص): "مُروا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهْمُ أَبْنَاءُ سَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهْمُ أَبْنَاءُ عَشَرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ".

وقد ذهب الإمام علي (ع) إلى القول بأهمية التربية والتعليم في سن مبكرة، وذلك لمرونة الطفل وقابليته الكبيرة في هذه المرحلة العمرية للتوجيه والإرشاد من جهة، ولصعوبة قدرة الطفل على الاختيار من بين الخبرات التربوية المتعددة والمتراكمة من جهة أخرى، قال الإمام علي (ع): "أَيْ بُنَيَّ إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ،

بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ، وَتَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ، وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ، وَأَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ، وَأَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ، وَمُقْتَبَلُ الدَّهْرِ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ، وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ" [نهج البلاغة: كتاب 31].

فالإمام علي (ع) يشير هنا إلى الإرث الثقافي للمجتمع فليس كله صالحاً ومفيداً للأجيال الجديدة والناشئة، الأمر الذي يستوجب معه تنقيته من الشوائب، والاختيار من البدائل المتعددة بما يتناسب مع تحديات الحاضر ومشكلاته، وهنا يظهر أثر المربي والمعلم المسلم القدوة في التدريس؛ في تدعيم الطبيعة الإنسانية نحو الخير أو الشر لأنها قابلة للتوجيه والتعديل والتهذيب نحو الأفضل.

وقد أكدَّ علماء التربية على أهمية السنوات الأولى من عمر الطفل لأنّ السيطرة فيها تكون للاوعي على الوعي، واللاوعي مستعد لتقبل كل الإيحاءات والمفاهيم، لذلك فكل ما يوحيه محيط الطفل الخاص في هذه المرحلة من أولي الأمر، إنما يتقبله الطفل ويرسخ في قلبه وفي عقله.

ولما كانت التربية عملية إنسانية مستدامة فإنها بالتالي تقوم على الاختيار من متعدد بين الخبرات الإنسانية المتراكمة على مر العصور، ومن هنا تظهر الحاجة إلى تنقية واستخلاص أفضل الخبرات التربوية وتقديمها للمتعلم الناشئ لأنّ التعليم الفعّال قد يؤدّي إلى تعلم فعّال بأقصر الطرق وأقلِّها وقتاً وجهداً.

ولا يعني هذا القول أنّ من فاته تلقِّي العلم وهو في مرحلة الطفولة لن يتعلم في المراحل التالية من العمر؛ لأنّ التعليم في الإسلام، لم يتقيد بسنٍّ محددة؛ فقد كان مجلس رسول الله (ص) العلمي يضم كلّ الفئات العمرية، الأمر الذي أدّى إلى تعليم عدد من الصحابة وعمرهم قد تجاوز مراحل متقدمة، وقد أُثر عن الرسول (ص): "اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد".

والنتيجة المستفادة من كل هذا أنّ العمر كله يجب أن يكون مسرحاً لتلقي التعليم.

ويقرر الإمام علي (ع) في وصيته لابنه الحسن: "وَإِنَّمَا قَلْبُ الْحَدَثِ كَالْأَرْضِ الْخَالِيَةِ؛ مَا أُلْقِيَ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ قَبِلَتْهُ، فَبَادَرْتُكَ بِالْأَدَبِ قَبْلَ أَنْ يَقْسُوَ قَلْبُكَ وَيَشْتَغِلَ لُبُّكَ؛ لِتَسْتَقْبِلَ بِجِدِّ رَأْيِكَ مِنَ الْأَمْرِ مَا قَدْ كَفَاكَ أَهْلُ التَّجَارِبِ بُغْيَتَهُ وَتَجْرِبَتَهُ، فَتَكُونَ قَدْ كُفِيتَ مَئُونَةَ الطَّلَبِ، وَعُوفِيتَ مِنْ عِلَاجِ التَّجْرِبَةِ".

فهذه الوصية تكشف اللثام على أنّ اعتماد الطفل على غيره مدة طويلة خاصة في أيام حياته الأولى، وطول هذه المدة تفسح له المجال للاتصال بالآخرين للأخذ منهم وتشرب خبراتهم المختلفة، حيث أنّ الطفل لم يتمكن بعد من الاعتماد على نفسه بدرجة كاملة تمكنه من توجيه نفسه وفق استعداده وميوله ورغباته، وخبرة الكبار وقدرتهم على توجيه النشء توجيهاً سليماً آمنت بمضامينه كل الشعوب والحضارات فاتجهت بشكل طبيعي أو فطري إلى تربية الصغار منذ أيامهم الأولى، واتبعت معهم الأساليب المناسبة لنمو قدراتهم الجسمية والعقلية المناسبة دون حاجة إلى تجريب وقياس وعلى هذا يمكن القول أنّ الإمام علي (ع)، قد سبق التربية الحديثة إلى ما يعرف اليوم بإشراف الدولة على التعليم وما يعرف كذلك بالتوجيه التربوي.

ثالثاً: اهتماماته بتربية العقل:

قد اهتم علي (ع) بتربية العقل وأعطاه منزلته التي أعطاه إياها الإسلام؛ فهو مناط التكليف وهو معدن الرجال وتدل آثاره (ع) على تلك العناية، بل والاهتمام بتربيته باعتباره مناط التفكير العلمي الذي يعتبر أساس كل شيء في الحياة، ومن الوسائل التي يمكن تحقيقها لتربية العقل في نظر الإمام علي (ع).

( 1 )- التأمل العقلي:

ميَّز الله تعالى الإنسان عن سائر المخلوقات بالعقل واعتبر الإسلام العقل أداة التفكير والفهم ومعياراً للحكم على كثير من القضايا في إطار الحرية والتحرر من الخوف وفي إطار القيم الإنسانية التي هي الضمان الوحيد لضبط منطقه وحركته وما يصدر عنه من تعبير لفظي.

والعقل عند الإمام علي (ع) هو الموجّه والمرشد للإنسان لسلوك طريق الخير واجتناب طريق الشر، لان نظرة الإسلام للخير والشر، تقوم على بيان النتيجة النهائية لكل منهما قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها} وذلك حتى تتحقق للإنسان حريته الكاملة في الاختيار.

قال الإمام علي (ع): "كَفَاكَ مِنْ عَقْلِكَ مَا أَوْضَحَ لَكَ سُبُلَ غَيِّكَ مِنْ رُشْدِكَ" [نهج البلاغة: الحكمة 420].

والغني عند الإمام علي (ع) ليس هو امتلاك المال الكثير إنما هو امتلاك الإنسان لعقل معافى يهديه سبل الرشاد قال (ع): "لَا غِنَى كَالْعَقْلِ" [نهج البلاغة: الحكمة 54].

وأوصى الإمام علي ابنه الحسن بقوله: "إِنَّ أَغْنَى الْغِنَى الْعَقْلُ" [نهج البلاغة: الحكمة 38].

والعقل عند الإمام علي (ع) خزانة لحفظ التجارب، التي يتمكن من خلالها الإنسان من حل مشكلاته، قال الإمام علي (ع): "الْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ".

وكان يجسد ذلك في وصيته لبنيه فيقول: "لِسَانُ الْعَاقِلِ وَرَاءَ قَلْبِهِ، وَقَلْبُ الْأَحْمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ". وقال أيضا تعزيزاً لتربية العقل: "لَا غِنَى كَالْعَقْلِ، وَلَا فَقْرَ كَالْجَهْلِ، وَلَا مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ، وَلَا ظَهِيرَ كَالْمُشَاوَرَةِ". ومن حكمه قوله: "إِذَا تَمَّ الْعَقْلُ نَقَصَ الْكَلَامُ".

( 2 )- العلم:

الإسلام يؤكد قيمة العلم، فهو الحاكم الضابط لكل شيء مما يقع تحت إمكانية إدراك الحس أو في مقدور العقل أن يدركه.

وقد أولى الإمام علي (ع) العلم عناية خاصة تليق بمكانته في حياة الإنسان، فالعلم عنده خير من المال، قال الإمام علي لتلميذه كميل بن زياد: "يَا كُمَيْلُ الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ، الْعِلْمُ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْمَالُ تَنْقُصُهُ النَّفَقَةُ، وَالْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى الْإِنْفَاقِ". والخير كله في كثرة العلم قال الإمام علي (ع): "لَيْسَ الْخَيْرُ أَنْ يَكْثُرَ مَالُكَ وَوَلَدُكَ، وَلَكِنَّ الْخَيْرَ أَنْ يَكْثُرَ عِلْمُكَ".

وأفضل طريقة عند الإمام علي لتحصيل العلم هي الإكثار من مجالسة العلماء ومناقشتهم وفي هذا تنمية للقدرة على التأمل والنظر والتفكير، وعن طريق محاورة العلماء تتم عمليات نقل الأفكار إلى الأجيال اللاحقة. قال الإمام علي (ع) لعامله على مصر مالك النخعي: "وَأَكْثِرْ مُدَارَسَةَ الْعُلَمَاءِ وَمُنَاقَشَةَ الْحُكَمَاءِ".

( 3 )- التفكير في مخلوقات الله تعالى:

لقد أكد المنهج التربوي الإسلامي على أهمية التفكير والتأمل في مخلوقات الله تعالى التي قال فيها فلاسفة التربية تأمل في مخلوقات الله ولا تبحث في ذاته. فقد أمن عن هذا الطريق كثير من الأنبياء والصالحين وخير مثال لذلك سيدنا إبراهيم (ع) قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَ الْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الألباب، الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ}.

وتحدث الإمام علي في كثير من خطبه عن الحيوانات والنباتات والسحاب والمطر، وعن أحوال الناس وما يمرون به في حياتهم من مواقف.. مما يدل على ممارسته لما يعرف الآن بالتفكير العلمي الذي يقوم على الوصف الدقيق للظاهرة من جهة، وحثه للناس من حوله على استعمال قدراتهم العقلية في التفكير والتأمل في مخلوقات الله تعالى ليتأكدوا من صدق ما أتى به الوحي المسطور ومقارنته بالكون المنظور ومن تلك المخلوقات التي وصفها الإمام علي النمل والخفاش..

قال الإمام علي -في وصف الخفاش-: "وَمِنْ لَطَائِفِ صَنْعَتِهِ وَعَجَائِبِ خِلْقَتِهِ مَا أَرَانَا مِنْ غَوَامِضِ الْحِكْمَةِ فِي هَذِهِ الْخَفَافِيشِ الَّتِي يَقْبِضُهَا الضِّيَاءُ الْبَاسِطُ لِكُلِّ شَيْءٍ، وَيَبْسُطُهَا الظَّلَامُ الْقَابِضُ لِكُلِّ حَيٍّ".

فليس هذا بمستغرب من لطائف الإمام علي (ع) القائل: "كُلُّ وِعَاءٍ يَضِيقُ بِمَا جُعِلَ فِيهِ إِلَّا وِعَاءَ الْعِلْمِ فَإِنَّهُ يَتَّسِعُ بِهِ".

ومن هنا كان سر اهتمام علي (ع) بالتربية العقلية لا بهدف زيادة المعارف والمعلومات بل بهدف كيفية الاستفادة منها في حياة الإنسان، لأنه (ع) ليس شاعراً ومصوراً فقط بل هو حكيم قبل كل شيء، حكيم في جميع مواعظه وخطبه، يحافظ على الحد الأوسط في أكثرها وإذا هاجت عاطفته الأحزان فخشي عليها من التهور، ظهر العقل أمراً فأوقفها وإننا نرى أبلغ مظهر لعقله في القوة المنطقية والمقدرة على القياس، التي اتصف بها أكثر كتبه إلى معاوية أو إلى عماله، والتي يقرأها المطالع فلا يتمالك عن القول: الحق معه.

هذا كتاب كتبه إلى أحد عماله ناصحاً: "فَدَعِ الْإِسْرَافَ مُقْتَصِداً، وَاذْكُرْ فِي الْيَوْمِ غَداً، وَأَمْسِكْ مِنَ الْمَالِ بِقَدْرِ ضَرُورَتِكَ، وَقَدِّمِ الْفَضْلَ لِيَوْمِ حَاجَتِكَ، أَ تَرْجُو أَنْ يُعْطِيَكَ اللهُ أَجْرَ الْمُتَوَاضِعِينَ وَأَنْتَ عِنْدَهُ مِنَ الْمُتَكَبِّرِينَ، وَتَطْمَعُ وَأَنْتَ مُتَمَرِّغٌ فِي النَّعِيمِ تَمْنَعُهُ الضَّعِيفَ وَالْأَرْمَلَةَ أَنْ يُوجِبَ لَكَ ثَوَابَ الْمُتَصَدِّقِينَ، وَإِنَّمَا الْمَرْءُ مَجْزِيٌّ بِمَا أَسْلَفَ وَقَادِمٌ عَلَى مَا قَدَّمَ. وَالسَّلَامُ".

وإننا لندرك من خلال كلامه (ع) الأمور الآتية:

1.أهمية تربية العقل وتنميته من خلال الاستفادة من التجارب والعبر والصفات السابقة وذلك لما لنضج العقل من اثر فعال في حياة الإنسان والمجتمع.
2.أهمية تربية العقل للمشاركة في الشورى، وأهميته في مجال القضاء، فالرأي مهم فيما لم يكن فيه حكم من المنهج القرآني النبوي، أو لم يرد في قضاء الأئمة.
3.أهمية تدريب العقل على التأمل والتدبر والتفكر والمراجعة ومعرفة الحق والفهم الجيد فيه.
4.التأكيد في تربية العقل على الجدال الحسن والسؤال والإجابة والتلقين والاستنساخ والحفظ والرواية.

وهذا ما أكده علي (ع) في وصية وصى بها الحسن فقال: "يَا بُنَيَّ احْفَظْ عَنِّي أَرْبَعاً وَأَرْبَعاً، لَا يَضُرُّكَ مَا عَمِلْتَ مَعَهُنَّ، إِنَّ أَغْنَى الْغِنَى الْعَقْلُ، وَأَكْبَرَ الْفَقْرِ الْحُمْقُ، وَأَوْحَشَ الْوَحْشَةِ الْعُجْبُ، وَأَكْرَمَ الْحَسَبِ حُسْنُ الْخُلُقِ، يَا بُنَيَّ إِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْأَحْمَقِ فَإِنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَنْفَعَكَ فَيَضُرَّكَ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْبَخِيلِ فَإِنَّهُ يَقْعُدُ عَنْكَ أَحْوَجَ مَا تَكُونُ إِلَيْهِ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْفَاجِرِ فَإِنَّهُ يَبِيعُكَ بِالتَّافِهِ، وَإِيَّاكَ وَمُصَادَقَةَ الْكَذَّابِ فَإِنَّهُ كَالسَّرَابِ يُقَرِّبُ عَلَيْكَ الْبَعِيدَ وَيُبَعِّدُ عَلَيْكَ الْقَرِيبَ".

إنّ هذه الأمور توضح مدى اهتمام علي (ع) بالتربية العقلية ووضعه أسساً في هذا المجال لتربية الناس في زمانٍ هم في أشد الحاجة للعقل والذكاء؛ لمواجهة المتغيرات في الحياة الجديدة، وكان التفتح العقلي في ضوء الركائز الإسلامية هو أهم الوسائل التي تحتاجها الجماعة الإسلامية والأفراد المسلمين الذين استوعبوا ثقافات الآخرين من الأمم والشعوب وما كان ذلك كذلك إلا بفضل التربية العقلية التي رسم خريطتها علي (ع) على أساس إسلامي صحيح مبيناً فضل العقل فقال:

يزين الفتى في الناس صحة عقله       وان كان محظوراً عليه مكاسبه
يشين الفـتى في الناس قلـة عقله        وان كرمت أعـراقه ومنـاصبه

رابعاً: اهتمامه بتنقية التراث الثقافي ونقله للناشئين:

كان علي (ع) رقيق القلب وافر التأثر شديد الإخلاص، ولكنه لم يرَ حوله أدنى شبه لما في نفسه، وإننا لنفهم حقيقة هذه الشخصية وندرك سر هذا الاهتمام إذا ما درسنا القوى الأدبية الثلاثة واتحادها في هذا الرجل وهي ثلاثة من كنوز الجنة كتم العلة، وكتم الصدقة، وكتم المصيبة.

هذا دور الشعور والمخيلة والعقل في إنشاء علي بن أبي طالب وأنّ هذه القوى الثلاث تتحد بعضها ببعض اتحاداً متيناً ويرتبط ارتباطاً وثيقاً، فلا يحس القلب بشيء إلا ظهر صورة جميله، يختم عليها العقل بخاتم الإيجاز، ويدفعها حكمة مصكوكة كقطعة النقود تتداولها العقول معجبة مستفيدة ومن كانت هذه مقدرته فلا عجب أن نظر إلى الثقافة على أنها المركب الذي يشتمل على المعرفة والعقائد والفنون والقيم والقانون والعادات التي يكتسبها الإنسان كعضو في المجتمع.

وأي مجتمع لا تستمر حياته بالصورة المثلى ما لم ينقل التراث الثقافي فيه من الأجيال السابقة إلى الأجيال اللاحقة لتقف عليه وتدرسه، وتختار منه في ضوء مطالب التغيير الاجتماعي الذي وجدت نفسها فيه لان الخبرات البشرية لم تأتي من فراغ إنما تأتي نتيجة مجهود جيل واحد أو عصر معين.

ولا بد أن تقوم مؤسسات تربوية ذات كفاءة عالية بعملية التنقية والتصفية والنقل التي تعد من أهم العمليات التربوية التي غالبا ما تحدث بعد النظر في خبرات الأجيال السابقة مع الأخذ بالعظة والعبرة فيما آل إليه حالها، وذلك حتى لا تضل الأجيال الجديدة، أو تجد مشقة في اختيار الخبرات النافعة لها، وقد أكد الإمام علي (ع) على عملية تنقية التراث الثقافي من الشوائب

وتقديمه للناشئين بعد ذلك، بقوله في وصيته لابنه الحسن: "أَيْ بُنَيَّ إِنِّي وَإِنْ لَمْ أَكُنْ عُمِّرْتُ عُمُرَ مَنْ كَانَ قَبْلِي، فَقَدْ نَظَرْتُ فِي أَعْمَالِهِمْ، وَفَكَّرْتُ فِي أَخْبَارِهِمْ، وَسِرْتُ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى عُدْتُ كَأَحَدِهِمْ، بَلْ كَأَنِّي بِمَا انْتَهَى إِلَيَّ مِنْ أُمُورِهِمْ قَدْ عُمِّرْتُ مَعَ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ، فَعَرَفْتُ صَفْوَ ذَلِكَ مِنْ كَدَرِهِ، وَنَفْعَهُ مِنْ ضَرَرِهِ، فَاسْتَخْلَصْتُ لَكَ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ نَخِيلَهُ، وَتَوَخَّيْتُ لَكَ جَمِيلَهُ، وَصَرَفْتُ عَنْكَ مَجْهُولَهُ، وَرَأَيْتُ حَيْثُ عَنَانِي مِنْ أَمْرِكَ مَا يَعْنِي الْوَالِدَ الشَّفِيقَ، وَأَجْمَعْتُ عَلَيْهِ مِنْ أَدَبِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ، وَأَنْتَ مُقْبِلُ الْعُمُرِ، وَمُقْتَبَلُ الدَّهْرِ، ذُو نِيَّةٍ سَلِيمَةٍ، وَنَفْسٍ صَافِيَةٍ" [نهج البلاغة: كتاب 31].

ويرى الإمام علي (ع) أنّ أول ما يجب تعليمه للأجيال الجديدة القرآن الكريم والتفسير، لاشتماله على كل ما يحتاج إليه الناس في حياتهم الدنيا والآخرة، ولبيانه لكثير من أحوال الأمم الماضية، قال (ع) في وصيته لابنه الحسن: "وَأَنْ أَبْتَدِئَكَ بِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَأْوِيلِهِ وَشَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَأَحْكَامِهِ وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ لَا أُجَاوِزُ ذَلِكَ بِكَ إِلَى غَيْرِهِ".

ويشير (ع) إلى أنّ التراث الثقافي ليس كله نافعاً للأجيال الناشئة. وواجب المربي حينئذ تنقية هذا التراث من الشوائب قبل تقديمه للمتعلم، وأكد على ذلك في وصيته لابنه الحسن بقوله: "ثُمَّ أَشْفَقْتُ أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْكَ مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ مِثْلَ الَّذِي الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ فَكَانَ إِحْكَامُ ذَلِكَ عَلَى مَا كَرِهْتُ مِنْ تَنْبِيهِكَ لَهُ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِكَ إِلَى أَمْرٍ لَا آمَنُ عَلَيْكَ بِهِ الْهَلَكَةَ وَرَجَوْتُ أَنْ يُوَفِّقَكَ اللهُ فِيهِ لِرُشْدِكَ وَأَنْ يَهْدِيَكَ لِقَصْدِكَ".

من كانت هذه مقدرته فلا عجب أن رغب فيه قوم، وحسده قوم آخرون فابغضوه، وغالى الفريقان حتى قيل: "أحبه قوم فكفروا في حبه وابغضه قوم فكفروا في بغضه".

الخلاصة:


1.نستنتج مما سبق من خلال دراستنا لشخصية الإمام علي (ع)، أنه شخصية تربوية في نظرتها للإنسان بكل مكوناته وأبعاده المختلفة، (الماضي وخبراته، والحاضر وتحدياته، والمستقبل وطموحاته) في تداخل كامل بينهم.
2.اهتماماته (ع) في تعزيز الاتجاهات التربوية التي تهتم بتصفية واستخلاص التراث الثقافي المؤدِّي إلى حلِّ مشكلات الحياة الراهنة والتطلع إلى حياة أفضل في المستقبل عبر تربية النشء وتربية العقل وصناعة المعلم القدوة الذي يتمكن من استغلال طاقات الناشئ الذاتية وتطويعها لمصلحته من خلال مراعاة طبيعة كل ناشئ على حده لتبصيره.


3.الدرس الأكبر من دراسة شخصية الإمام علي (ع) القدرة على مواجهة التحديات على أساس إيماني تربوي بحزم وإصرار وتفتح ثقافي وعلمي.
4قدرته على تطويع كل المتغيرات لصالح المجتمع الإسلامي عبر خطابه التربوي الذي نرى فيه أبلغ مظهر لعقله في القوة المنطقية والمقدرة على القياس، التي اتصف بها في أكثر كتبه إلى عماله بأسلوب علمي تطبيقي.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات