» الشيخ الصفار: تكفير المسلمين لبعضهم ينذر بمخاطر اجتماعية مدمرة  » عابوا علينا يا مولاي  » اليوم الوطني وتجذير المواطنة الشعبية (عدة مقالات)  » اليوم الوطني / مسئولو وأهالي القطيف يهنئون القيادة الرشيدة بذكرى اليوم الوطني الـ 87 للمملكة  » اليوم الوطني/ منسوبو تعليم القطيف يهنئون القيادة الرشيدة بذكرى اليوم الوطني الـ 87 للمملكة  » 150 مواطنا بالعوامية يسطرون عبارات الولاء  » آلية جديدة لاستيعاب أبناء المبتعثين في المدارس بعد عودتهم  » «التعليم» تحمّل متعهداً خطأ «صورة الفيصل»  » مثقفون: برحيل «السبع» يفقد الشعر قلباً نابضاً  » «التعليم»: المساواة بين المعلمين في جدول الحصص  
 

  

تجربة الجبيل الصناعية
المهندس / عباس رضي الشماسي - 13/12/2013م - 2:42 م | مرات القراءة: 14589


كشف هطول الأمطار الغزيرة في الفترة الأخيرة ضعف بعض البنى التحتية المستوعبة لتصريف الأمطار،

وأوضحت بعض الصور المتداولة في وسائل التواصل الاجتماعي كيف أن البنى التحتية في مدينة الجبيل الصناعية مثلاً قد تفوقت جذريًا أثناء الأمطار فقد خلت شوارعها وساحاتها من أي تجمع أمطار يذكر، بينما رأينا رأي العين كيف أن المناطق والمدن المجاورة لها غرقت بعض شوارعها وتجمعت فيها المياه بكميات كبيرة ..
ترى ما الذي أوصل مدينة الجبيل الصناعية لهذا المستوى المتميز وكيف تفوقت ؟ ولماذا لم تصل مدننا الأخرى إلى هذا المستوى ؟!

صحيح أن مدينة الجبيل الصناعية مدينة حديثة بكل المقاييس أنشئت من العدم وبإمكانيات مادية وبشرية غير محدودة ،ولكن كانت هناك ميزتان أساسيتان هما حسن التخطيط، وبيئة العمل الاحترافية المميزة ..

لقد أثبت الواقع أن مدينة الجبيل الصناعية  وصنوتها مدينة  ينبع الصناعية ثمرتان للتخطيط السليم مذ أطلق شرارة البدء لإنشاء هاتين المدينتين قرار مجلس الوزراء رقم م / 75 وتاريخ 16/09/1395هـ بتأسيس الهيئة الملكية للجبيل وينبع وإعطائها كافة الصلاحيات اللازمة لإنشاء هاتين  المدينتين وتوفير التجهيزات الأساسية اللازمة من بنى تحتية ومرافق سكنية وتعليمية وصحية وترفيهية وغيرها ،وإتاحة المجال أمام شركة سابك والشركات الصلبة الأخرى لإقامة الصناعات الأساسية والتحويلية والمساندة وغيرها وفق إستراتيجية صناعية مدروسة ..

وكان لابد أن يستند هكذا عمل إلى تخطيط مدروس متقن، وهنا أوكلت الهيئة الملكية أعمال الاستشارات إلى شركة بكتل العالمية ذائعة الصيت والتي بدورها أسندت أعمال دراسة التخطيط الحضري والإقليمي لمدينة الجبيل الصناعية الوليدة  إلى استشاري بريطاني شهير هو كولين بوكانن وشركاه بالتعاون مع شركة معمارية من ولاية ماسيتشيوشس الامريكية وأصدر هذا التحالف في سنة 1978م تقرير بوكانن الذي يتكون من 14 مجلدًا وهو المصدر الرئيسي الذي تم على أساسه تحديد الإطار العام للتنمية المقترحة في المدينة بعد دراسة كل من موجهات ومحددات التنمية الوطنية والإقليمية والتعرف على المؤشرات الطبيعية والبيئية والعمرانية والاجتماعية والاقتصادية بالإضافة إلى التعرف على الإمكانات المتاحة والمشاكل والتحديات وعلى ضوء هذه الدراسة الشاملة ووفقها تم المضي في إنشاء مدينة الجبيل الصناعية .

احتوت هذه الدراسة  على أربعة عشر بندآ شملت اختيار موقع المدينة، وتوقعات السكان والعمالة، والمرافق السكنية ،ونظم المواصلات ،وتجهيز الموقع والخدمات،واستعمالات الأراضي،والتصميم الحضري والتشجير،وتصاميم المساكن،والمرافق التعليمية،والصحية، ومرافق المنطقة السكنية ،وأنظمة البناء، وإدارة التنمية الاقتصادية وتقديرات التكاليف ،والتحاليل الاقتصادية ..

وما يهمنا ذكره في هذا المقام، هو ما هي إستراتيجية تصريف الأمطار والسيول في مدينة الجبيل الصناعية ؟
تم تخصيص مجلد مستقل من الأربعة عشرة مجلد عن تجهيز الموقع والخدمات والذي على أساسه تم دراسة تجهيزات الموقع والمنافع والخدمات العامة المتمثلة في تصريف الأمطار، والصرف الصحي، والري ،والكهرباء، والاتصالات، والنفايات الصلبة ،ومحجوزات المنافع والخدمات.. وكان الهدف من هذه الدراسة هو تحديد الأسس العامة للتخطيط الأساسي لتجهيز الموقع والخدمات لكي تستند إليها نطاقات عمل العقود المتتابعة التي تبرمها الهيئة الملكية لتصميم وتنفيذ وتشغيل مدينة الجبيل الصناعية ..

في البداية ،تم الاستناد إلى دراسة قام بها استشاري عالمي أوضح بها مستويات المد والجزر العالية للخليج والتي قد يتزامن حصولها مع المد الفلكي  ( Astronomical Tides) و توقعات المستويات العليا من المد خلال 100 سنة .. وتم بذا اختيار المستوى اللازم لردميات المدينة لكي يمكن حماية المدينة من أي فيضانات بحرية ممكنة.

- وعلى هذا الأساس تمت التوصية بردم طبقة رملية بارتفاع 3 متر فوق كامل مساحة المنطقة السكنية في المدينة والبالغة  حوالي 80كم مربع نظرًا لأن المستوى الأصلي يحتوي على مياه جوفية مالحة مرتفعة المستوى واستهدفت إستراتيجية الردم وتجهيز الموقعSite Preparation)) إلى أربعة أسس :-
1-    رفع مستوى إنشاءات المدينة فوق مستوى فيضانات البحر .
2-    توفير ميول أرضية ملائمة لتسهيل تصريف الأمطار بسلاسة.
3-    توفير جهد تحميلي مناسب لتربة متجانسة قوية تتحمل الإنشاءات المختلفة.
4-    تخفيض مستوى المياه الجوفية لتقليل الآثار السلبية للمياه الجوفية المالحة على التربة.

وقد تم جلب معظم التربة بعمل التجريف من قاع البحر في المناطق المجاورة للساحل، أو من الكثبان الرملية  النظيفة إلى الغرب من موقع المدينة  ببعد 10-15 كم.

وقد شبهت  كمية الرمال التي تم دفن موقع المدينة كاملة بكمية مساوية لعمل طريق ترابي بعرض 3 متر حول الكرة الأرضية .. إذ قدرت حينها بما مقداره 160 مليون متر مكعب من التربة .

..أما بالنسبة لتصريف الأمطار ونظرآ لعدم غزارة الأمطار الموسمية ،فقد كان الرأي يتراوح بين عدم إقامة أي شبكة تصريف أمطار مستقلة والاكتفاء بعمل تصريف سطحي بالجاذبية Surface Drainage))أو إقامة شبكة متكاملة بأنابيب تحت الأرض وتصريفها نحو البحر إلا أن الرأي الذي أقره مسئولو الهيئة الملكية حينذاك هو أنه لابد من إقامة شبكة لتصريف الأمطار مستقلة بالكامل عن شبكة الصرف الصحي للحفاظ على مستو متميز من المعيشة الراقية في المدينة رغم تكاليفها الباهظة نسبيآ بالرغم أن كميات الأمطار غير غزيرة على مدار العام، وقد أوصت الدراسة أن تكون شبكة التصريف مكونة من شبكات من الأنابيب تحت الأرض تصرف مياه الأمطار بالجاذبية إلى شبكة من القنوات الثانوية ثم إلى قنوات رئيسية غالبًا ما تكون مفتوحة إلى الخليج أو إلى مواقع داخلية منخفضة تخزن المياه لمدد قصيرة وسرعان ماتتشرب إلى الأرض أو تتلاشى وصممت على شكل ترعات أو  قنوات ترابية حجرية(Swales) ومحاذية أصلا لممرات التشجير Landscape Corridor))وعلى هذا الأساس تم تجهيز المواقع والردميات وفق المستويات الملائمة لانسياب تصريف الأمطار بالجاذبية ما أمكن دون الحاجة إلى عمل أي رفع ميكانيكي وبقي الحال كهذا إلى يومنا هذا ..

بقي أمر آخر وكعادة الدراسات المتقنة التي تدرس كافة الاحتمالات ، ونظرًا للكلفة الباهظة للردم والتسوية وعمل شبكات التصريف، تم دراسة إمكانية استخدام بعض مياه الأمطار التي يتم تصريفها لأعمال الري والتشجير، إلا أنه تم في النهاية عدم الأخذ بها لعدة عوامل منها، أنه لا يمكن الاعتماد عليها كمصدر دائم ومستقر للري للتفاوت الكبير لكميات مياه الأمطار وعدم ثباتها من عام لآخر، وأن احتياج الري أيام الأمطار قليل بالطبع، وللتكاليف الباهظة لعمليات الضخ والتخزين، وثبت أن الاستفادة من هذا المصدر غير ذي جدوى في تقليص كميات شبكات الري الموجودة سواءً من المياه العذبة أومن المياه المعالجة من الصرف الصحي ..

..وفي الجانب الآخر لو اطلعنا  على الدراسات التي أعدتها وكالة وزارة الشؤون البلدية والقروية لتخطيط المدن والتي تشتمل على التقرير الفني الخاص بإعداد المخططات شبه الإقليمية للمحافظات بالمنطقة الشرقية والتي على أساسها يتم تحديد استكمال شبكات البنية الأساسية التحتية المناسبة التي تفتقر إليها التجمعات العمرانية داخل المحافظات، لم يدر في خلد المخططين ،في هذه الدراسة على الأقل ،حين دراسة توقع كميات الخدمات والمنافع العامة من مياه الشرب، وشبكات التصريف الصحي، والكهرباء، وخطوط الاتصالات ،وحجم النفايات الصلبة أن يتم إدراج دراسة احتياجات  تصريف الأمطار في المحافظات حيث لم تذكر على الإطلاق،وهنا تكمن الإجابة  الراجحة على الاستفسار المطروح في أول المقالة عن أسباب تفوق مدينة الجبيل الصناعية ، لتؤكد أن نجاح المشروعات مرهون بالتخطيط السليم أولا وأخيرا.


المهندس عباس رضي الشماسي
مهندس مستشار

التعليقات «1»

ميرزا - القطيف [الجمعة 16 مايو 2014 - 5:40 م]
أحسنت يا باش مهندس. للأسف هناك مناطق في القطيف اما في مستوى البحر أو تحت مستوى المناطق المجاورة لها ويتعذر فيها حتى الصرف الصحي وهي معطلة منذ أكثر من عشر سنوات وهذا بسبب اللامبالاة وتجنب مصاريف رفع مستوى الأرض بالردم.

مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات