» القطيف.. 120 متدربًا يشاركون في أسبوع "ريادة الأعمال"  » «صياد» يعثر على جثة المفقود سعود الشهري مقتولا بأم الساهك..  » «العمل» تكشف قصة «إجبار سعودية على التنظيف»  » رقم نسخة هوية الزوجين شرط لتوثيق عقد النكاح  » 8 آلاف فرصة عمل للسعوديين في "صياد"  » «التأمينات الاجتماعية»: يحق لصاحب العمل خفض أجور العاملين وتحديثها خلال السنة التأمينية  » «ساعة برمجة» مبادرة بتعليم القطيف  » «الأرصاد»: استمرار التقلبات الجوية على مناطق المملكة من الخميس إلى الاثنين القادم  » كتاب حواريات جادة في وسائل التواصل الإجتماعي  » السعادة التي تغمرنا بأنوارها!  
 

  

الاعلامي فؤاد نصرالله - 23/03/2013م - 11:00 م | مرات القراءة: 4021


عندما يكون الوطن صورة أو وثيقة والتاريخ سيف ومحبرة!
جمع بين دقة المؤرخ ويقظة عالم الآثار وسعة صدر الأديب


الرجال مواقف ، ولكل موقف في حياة الأشخاص دلالاته ، فما بالنا لو كانت تلك المواقف من النوع الذي يعلمنا ويدفع بنا درجات في مدارج التطور ، فالأمم  نتاج عمل شاق لمثل هذا النمط من الرجال ، ممن يمتلكون قوة الإرادة ، وجسارة القلب ، وتفتح العقل.

الحاج فارس  عرفت القطيف الحاج محمد بن صالح بن حسن الفارس ، وبدون أي تردد هو أحد أبناء هذه المنطقة المؤثرين والمتحققين على مدى سنوات طويلة ، كما أنه واحد من الشخصيات التي قدمت جهدها وهو ما تم تدوينه في تاريخ المنطقة،

ليس فقط لعطائه الوافر، وسخائه ، وميزاته الإنسانية فحسب ، بل لما منح من صفاء وذكاء خالص تجسد في مسيرته المتيزة.

فارس  لا شك انه رجل ذو مواقف مضيئة لأبناء المنطقة، وله من الفضل والعطاء الوطني والإجتماعي ، بالإضافة للاختصاصه بالعمل المتحفي وحرصه على جمع آثار المنطقة مهما كلفه الأمر من جهد ومال.

هو من مواليد القلعة بالقطيف سنة 1318هـ. ترجع أصوله إلى أسرة عريقة لها جذور عربية راسخة سكنت القطيف منذ عدة قرون، وقد أصبح للعائلة شأن كبير بين البيوتات بالقطيف.
وقد تولت الأسرة منصباً مرموقاً في المنطقة، وكان المرحوم الحاج علي بن حسن الفارس - عم فقيدنا الراحل الكريم

فارس 2 وكيلاً للحكومة على أملاكها في القطيف، ومتضمنا لجمارك القطيف والجبيل والعقير بالشراكة مع المرحوم علي بن منصور إخوان، وكلاهما من أعيان القطيف.

وبعد وفاة الأخير انفرد الأول بضمان الجمارك ووكالة الحكومة على أملاكها في القطيف، وأصبح الفقيد بمثابة أمين سر لعمه وهو في الخامسة عشرة من عمره، وهو سن صغير يدل على النجابة والذكاء الواضح، والقدرة الواضحة على تحمل المسئولية.

ويذكر المرحوم صالح الذكير في ذاكرته الضوئية أن الحاج محمد الفارس عندما توفي عمه في عام 1341هـ استمر في العمل بتوجيه مباشر من جلالة الملك عبد العزيز -طيب الله ثراه- وتولى إبان عمله مناصب متعددة، أولها وظيفة أمين عام صندوق المالية والجمارك وكاتب العدل بالإضافة إلى القيام مقام مدير الأملاك ومدير المالية في حال غيابهما، ثم عين بأمر من سمو الأمير سعود ابن جلوي -يرحمه الله- رئيساً لبلدية القطيف عام 1363هـ واستمر فيها حتى عام 1375هـ ثم أصبح عمدة القلعة ورئيساً لعمد قرى القطيف منذ عام 1374هـ، أي أثناء رئاسته للبلدية إلى عام 1388هـ حيث تقاعد عن العمل.

فارس 3 الجدير بالذكر أنه -أثناء عمله كأمين للصندوق- كانت تربطه علاقة صداقة بالشاعر المعروف خالد الفرج الذي كان مديراً للمالية، ثم أول رئيس لبلدية القطيف.

إضافة إلى كونه شخصية متميزة بعطائها السخي ودفاعها عن حقوق المجتمع ، في ظل ما تمتع به من صفات أهمها نكران ذاته في أحلك الظروف .

وقد عرفت شخصية الفقيد بالإنجاز والحسم في مختلف الأمور ، فقد عرف عنه الجدية في العمل ، والرغبة في خدمة بسطاء الناس ، سواء من يعرفهم أو من يجهلهم؛ فالجميع عنده سواء ؛ لأن العطاء سمة أصيلة في نفسه.  كما أنه كان يستقبل زواره فيكرم وفادتهم دون تململ أو سأم حيث يرى أن ذلك هو الشيء الطبيعي الذي عليه أن يتصف به ؛ فخدمة الناس ومباشرة شؤونهم تعمق صلات التراحم والتواصل والتكافل الحقيقي بين أفراد المجتمع الواحد مهما اختلفت المناصب أو تنوعت الأدوار أو تباينت الطموحات .

على المستوى العائلي كان الفقيد نموذجا كريما في المحبة والعطف والرأفة بالكبير قبل الصغير.

تمثل سخاؤه في مد يد العون لكل من استشعر ضعفه أو احتياجه للمساعدة والمساندة، هذه المساندة التي شملت الجميع : كبارا وصغارا ، أقارب ومن لا يمتون له بصفة القربى.

فالكل أهل ، ولقد شمل الأهل والأحبة والأصدقاء بعطائه المعنوي وعطائه المادي ، وكان عنواناً للكرم.وكل من عاصر هذا الرجل،لمس فيه العطاء، والسخاء والكرم.

4 فإذا بنا نكشف عبر رصد أمين كلَّ معاني الوفاء، وفضائل الامتنان لهذا الجيل الذي قدم عطاءه دون انتظار كلمة شكر أو عبارة تقريظ.

عرف عن الحاج محمد بن صالح بن حسن الفارس إسداء النصح للآخرين ومساعداتهم في مختلف شؤون حياتهم ، وظل يمارس نفس الدور في العطاء الوافر خللال تقلده بعض المناصب ؛ فقد كان ذا صفات إنسانية رائعة من بينها التفاعل مع مجتمعه، والرغبة في حلِّ مشكلاتهم وإيجاد الحلول.

كلما كانت مشاعرنا صافية ونقية وشفافة يصعب أن نترجم ذلك إلى كلمات؛ فاللغة  مهما كانت صادقة - لا تسعفنا، كثيراً، في التعبير عن مشاعرنا العميقة تجاهه وما له من فضل _خصوصا - في مجال تراث المنطقة وآثارهاالتاريخية.

5 صفحات ناصعة ومشرقة نبسطها أمامكم ربما لنستعيد الوجه السمح والروح المحلقة الفذة لابن القطيف البار الحاج محمد بن صالح بن حسن الفارس، الذي أضاء سماء القطيف بفيض عطائه وكريم خصاله.

كلنا يعرف جهده في مجال الآثار والتراث؛ فقد حفظ تراث القطيف وآثارها، ووثائقها ، وبذل الغالي والنفيس في سبيل جمعها في متحف فريد على مستوى الخليج العربي ؛ فقد كان يرى أن عليه مسئولية حفظ التاريخ للأجيال اللاحقة ، وإحياء بعض الصور والأمكنة لمدن ومناطق بحيث يتمكن الجيل الجديد من التعرف على التاريخ الحقيقي لأجدادهم ، حتى لا يطوى هذا التاريخ ويتعرض للاندثار .

6 لقد كرس حياته لهذا الهدف النبيل ، وخالط الأدباء والعلماء ،وكبار الشخصات ،بل وبعض الزعماء في دول الخليج ، فأفادهم وأفادوه ، بالرغم من أن الهواية تحولت إلى حرفة بما يستدعي التدوين والتحقيق وترسيخ القيمة لما وراء الجمع الميداني الذي اشتغل عليه سنين طوال. لقد حظيت جهوده بالتقدير والاحترام ، ذلك أنه من خلال عملية الجمع هذه تمكن من استيعاب تاريخ المنطقة.

كان يجمع بين دقة المؤرخ ويقظة عالم الآثار وسعة صدر الأديب ، فمعه يتمكن المرء من لمس التاريخ بيده والتعرف عليه عبر نقود مصكوكة أو قطعة نسيج غاية في القدم أو عبر رسائل ممهورة بأختام من بيدهم الحل والعقد.

7 كان الحاج محمد الفارس يمتلك قلوب المريدين بما يلقي من شعر وما يسرده من قصص ، وما تجود به معارفه من نقد فني للعديد من أهازيج الخليج التي لم تكن تلقى الاهتمام كما هو الحال في عصرنا هذا.

ويبدو أن طبيعة الرجل وجرأته واستعداده للمغامرة كلها سمات قد تشكلت على مهل ، ومثلت نقطة مضيئة في تاريخه حيث كان يهفو لزيارة الدول ذات التاريخ القديم لينهل من علمها ما يعينه على معرفة تاريخ بلاده بقدر من الفطنة والذكاء وإعمال العقل.

كان يسافر إلى أبعد مكان يمكن تصوره من أجل اقتناء ما يفيد مشروعه ، إضافة إلى إحساسه القوي بما يمكن أن يجعل التاريخ مرئيا بجمع وحفظ وعرض الرسائل والوثائق والتحف والآثار قبل أن يتم إنشاء كليات جامعية متخصصة في الدولة ، وهو ما يعني أن هذا الرجل كان يمتلك من الحس المستقبلي ما جعله يفطن لأهمية حفظ ما لدينا من تراث لأن هذا هو عنصر من العناصر المهمة في تعميق روح الانتماء للوطن ومعرفة تاريخه وبالتالي التمسك به والدفاع عنه ضد أي محاولة لضياع الهوية .وليت أبناءه ساروا على نفس النهج في حفظ التراث والآثار.

بدأ الحاج الفارس هوايته بشكل مكثف عقب الحرب العالمية الثانية ، وذلك بعد أن قرأ في إحدى الصحف السيارة أنه قد تم بيع طابعين أثريين عثر عليهما في كنيسة « أيا صوفيا» بخمسة آلاف ليرة ذهبية ، الأمر الذي أدهشه وقرر بعدها أن يضع جهده في عملية جمع ما خف وزنه وغلا ثمنه لكنه عبر سلسلة من صفقات الشراء أكتشف أن المسألة ليست هي الربح فقط بل جمع وصون وحفظ التراث ليكون شاهدا على عصور مضت ، وهو الشيء الذي حرص عليه حتى وفاته.

8 لقد تحولت الهواية إلى حرفة وظل هاجس حفظ ما يوشك على الاندثار هو المؤثر عبر رحلات إلى أكثر من دولة ، يذهب إليها مكتشفا ما بها ومقتنيا ما يراه مناسبا ليضمه إلى متحفه ، لقد سافر إلى الهند وتركيا ومصر ، وغير ذلك من دول .

وأدرك بحسه الوطني القوي أن ما يقوم به أمر في غاية الأهمية ، لذلك لم يفتر حماسه بل وصل إلى درجة اليقين أن ما يقوم به من سفر والتعرف على أقوام بألسن مختلفة ومعرفة الطبائع والسلوك هو شيء مكمل لمشروعه البسيط الذي تحول مع الوقت إلى محطة مهمة للزائرين الذين يريدون معرفة صفحات من تاريخ قديم لوطنهم ، لا يوجد شاهد مادي عليه إلا في أضيق الحدود .

9 صار متحفه بعد ذلك محط أنظار الزائرين والمتخصصين في هذا الشأن وزاره صحفيون وكتاب من منطقة الخليج وغيرها ، كما كتبت عنه مجلة « العربي « الكويتية ، مما أتاح الفرصة لكثيرين كي يقبلوا على مشروعه الشخصي ليروا من خلاله وعبر ما جمعه بعض المظاهر المادية لحضارة هجر والقطيف .

والمدهش في الأمر أن المتحف قد ضم الكثير من العناصر التراثية التي كان يمكن لها أن تتبدد او تندثر ، فهناك الأبواب الأثرية التي كانت موجودة في قلعة القطيف ومسجلاً عليها تاريخ صنعها، كما توجد مجموعة من النقود الذهبية، تعتبر فريدة من نوعها. وفيها المسكوكات الذهبية من أيام الأمام الحسين بن علي عليه السلام ، و توجد بعض المخطوطات العربية القديمة التي تروي تاريخ القطيف وتاروت ودارين، وغيرها من أماكن الحضارات القديمة .

كما يضم المتحف بعض السيوف الذهبية وعددا من الآثارتنتمي لأيام الأتراك، وكذلك أيام البرتغاليين ، أغلبها يروي قصة تاريخ القطيف الثري بأحداثه .

وفيما يختص بالقيمة التاريخية فهناك تراوح بين النفيس الغالي لقيمته المعنوية والثمين لمردوده المادي ، فمتحفه به نقود أثرية يعود تاريخها إلى ما قبل الإسلام، بعضها من الذهب الخالص أو الفضة الأصلية ، كما توجد دنانير تعود إلى عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان،

وثمة عملات معدنية أخرى تعود للعصر العباسي الفاطمي، وأوان من عهد الفينيقيين ، وعلى الأرجح قد وجدت في جزيرة تاروت ، وسيوف قديمة بعضها مطلي بالذهب وحوافه من الفضة ، ناهيك عن مقتنيات متعددة منها : وثائق ومخطوطات بالزخارف ، وصور تاريخية ، ومنحوتات خشبية ، وبنادق قديمة ، ودلال،

10 وأوان ، وسلال ، وأبواب قديمة ،  وتماثيل برونزية ، وكثير من المقتنيات القديمة ذات الطابع الأثري .

كل ذلك كان الفارس يثمنه ثم يقتنيه ويصنفه وقد عكف على هذا الامر سنوات طويلة بحب وكرم وأريحية منقطعة النظير، كما حوى المتحف عدداً كبيراً من قطع الأثاث القديمة منها الصناديق ذات الأدراج السرية ودواليب الملابس الفخمة ، والأسرة التي انتهى استخدامها الآن وباتت قطعة من الماضي.

لقد عاش الفقيد محمد الفارس حياة حافلة بالحركة والنشاط وتنفس التاريخ حتى صار علامة عليه. ألف رحمة على روحه العبقة بالتاريخ وحب الأرض ، لعل الأجيال الجديدة تقتبس شيئا من سيرته ودأبه وإخلاصه للفكرة التي عاش محققا إياها .. الوطن في صورة أو وثيقة ، والتاريخ في سيف ومحبرة!

11

 

 ولعلنا الآن نجد في شخصية السيد حسين السيد علي العوامي،صاحب متحف القطيف الحضاري مثالا ثريا للمرحوم الحاج محمد الفارس،في جمعه تراث المنطقة وتاريخها المجيد في متحفه الحضاري.



التعليقات «0»


لاتوجد تعليقات!


مؤسسة شعلة الإبداع لتقنية المعلومات